|
حركة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي
تعتبر العمليات
المسلحة التي قام بها الشيخ محمود الحفيد البرزنجي في لواء السليمانية عام 1919عشية
قيام الدولة العراقية أوائل العشرينيات من القرن الماضي والتي استمرت حتى عام 1931
محطة مهمة في تاريخ العمل العسكري الكردي.
كان الشيخ البرزنجي
ينتمي إلى أسرة كردية مشهورة لها نفوذ ديني واسع بين الكرد في السليمانية، وكانت
الدولة العثمانية في صراع مع بريطانيا للحفاظ على وجودها في العراق. فأمده الأتراك
بالفعل بالمال والسلاح ووضعوا تحت تصرفه الفوج العثماني من لواء السليمانية عام
1918 وأعلنوه متصرفا في شؤون اللواء بأكمله.
مواجهات عسكرية
ضد بريطانيا بدأ البرزنجي يتصل بالحركات المناوئة للنفوذ البريطاني في العراق لا سيما في منطقة شرناك الواقعة في الجهة الجنوبية الشرقية من الأناضول على الحدود السورية العراقية، مما دفع الإنجليز إلى التفكير في التخلص منه، واستقر رأيهم على تعيين الميجور سون حاكما سياسيا للسليمانية في مارس/آذار عام 1919 لتقليص نفوذه، فاختار البرزنجي العمل العسكري المباشر للرد على الخطوة البريطانية تلك، فقام بانقلاب عسكري في السليمانية مستعينا بفرقة عسكرية كردية تسمى "الشبانة" وساندته في ذلك القبائل الكردية في إيران وخاصة قبيلتي الهورامان ومريوان، وقد حقق الشيخ البرزنجي في البداية انتصارا عسكريا واستطاع أن يعتقل الضباط الإنجليز في بيوتهم وتولى هو وفرقة الشبانة السلطة المطلقة وقطع الخطوط السلكية في كركوك واستولى على قافلة تحمل أسلحة وأموالا كانت متجهة إلى "كفري" في السليمانية واستولى كذلك على حلبجة في 26 مايو/أيار عام 1919.
إزاء هذه الأعمال
المسلحة في المناطق الكردية سيرت بريطانيا حملة عسكرية كبيرة في يونيو/تموز عام
1919 أحاطت بالبرزنجي وفرقته وحاصرته في "دربند بازيان" قرب السليمانية وتمكنت من
أسره بعد إصابته بجراح أثناء الحصار، وأسرت معه العديد من أتباعه، وأرسلتهم جميعا
إلى بغداد وسيطرت القوة البريطانية تماما على السليمانية وأصدرت حكمها بالإعدام على
الشيخ البرزنجي ثم خففه بعد ذلك القائد البريطاني في بغداد إلى عشر سنوات مع النفي
إلى الهند.
لكن
خطوات تنفيذ الحكم الذاتي المستقل إداريا على الأرض لم تتم بالسرعة التي كان
يتوقعها الكرد، وحل موعد استفتاء الشعب العراقي عام 1921 على أمر تنصيب الأمير فيصل
بن الحسين ملكا على العرق فرفض الكرد
في السليمانية الاشتراك في هذا الاستفتاء وأعلن الشيخ قادر شقيق الشيخ محمود المنفي
في الهند مطالبته بحكم ذاتي مستقل ورفض فكرة الانضمام إلى العراق. هنا فكرت بريطانيا في الاستعانة بعدوها اللدود البرزنجي ليقف أمام المد التركي الجديد، فأعادته من منفاه في الهند إلى السليمانية مرة أخرى عام 1922 وعينته رئيسا للمجلس المحلي المنتخب ثم حاكما عاما، وبدأ الشيخ البرزنجي ينظم قواته ويوسع نفوذه في لواء السليمانية ويتجه صوب كركوك مهددا بضمها إلى حكومته، ولم يكن هدف بريطانيا وقف المد التركي فقط بل أرادت أيضا أن تضغط على حكومة الملك فيصل لكي توقع على المعاهدة "العراقية البريطانية الأولى" والتي وقعتها بالفعل في أكتوبر/تشرين الأول عام 1922. في تلك الأثناء بدأ الشيخ البرزنجي يستشعر أن بريطانيا في طريقها للاستغناء عنه بعد أن أدى ما عليه ولم تعد بحاجة إليه، فبادر بإعلان نفسه ملكا على كردستان في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1922 وبالفعل صدق حدسه وأرسلت بريطانيا إلى السليمانية حملة عسكرية لنزع سلطاته بعد بضعة شهور . وعلى إثر خلو معاهدة لوزان في يوليو/تموز 1923 من أية إشارة لمنح الكرد حق تقرير المصير الواردة في معاهدة سيفر وفي محاولة من بريطانيا لطمأنة هواجس الكرد أوعزت إلى الحكومة العراقية لإصدار بيان تعترف فيه بحق الكرد القاطنين ضمن حدود العراق في تأسيس حكومة كردية غير أن الكرد رأوا أن بريطانيا غير جادة في طلبها هذا وغير جادة كذلك في ضغطها على الحكومة العراقية بل إن الحكومة العراقية كما رأى الكرد غير جادة في منح الكرد حكما ذاتيا في مناطقهم فلم يهتموا بالبيان الذي صدر في هذا الصدد، ورتبوا أنفسهم على العودة مرة أخرى إلى العمل المسلح.
بقي البرزنجي أربعة أعوام في إيران إلى أن حل صيف عام 1930 الذي نظمت فيه الحكومة العراقية انتخابات في المناطق الكردية رفضها الكرد فوقعت اشتباكات مسلحة بين المتظاهرين وقوات من الشرطة العراقية قتل على إثرها أكثر من 45 كرديا وجرح حوالي 200 آخرين، فرأى البرزنجي أن الأجواء السياسية والأمنية باتت مهيئة لعودته من إيران وقيادته للعمل المسلح من جديد. وصل البرزنجي إلى السليمانية وأعلن عن مجموعة من المطالب ليعود الهدوء مرة أخرى إلى السليمانية. من هذه المطالب ترك الحكومة العراقية جميع مناطق كردستان ما بين خانقيين وزاخو، وتولي حكومة كردية تكون تابعة للانتداب البريطاني إدارة شؤون هذه المناطق ريثما تصدر عصبة الأمم قرارها الأخير في شأن الاستقلال العراقي.
نهاية حركة
البرزنجي في ذلك العام عاد الشيخ البرزنجي إلى السليمانية هاربا من قيود النفي أو بموافقة حكومة الكيلاني وهدد مرة أخرى برفع السلاح ما لم يسمح له بالعيش في مدينته إلى أن استقر فيها بالفعل حتى توفي عام 1956 إثر مرض ألم به. |