|
المحقق مع صدام يکشف معلومات مثيرة عنه
أل بيرو، وکيل مکتب التحقيقات الفدرالي الذي کان مکلفا من وکالة الاستخبارات
المرکزية في محاولة حمل الدکتاتور السابق على التعاون مع مکتب التحقيقات الفدرالي
واستخلاص المعلومات منه بطريقة سلسة، أصدر کتابه الموعود أخيراً بعد طول انتظار
وأخذ ورد مع وکالة المخابرات المرکزية التي کانت قد اشترطت عليه عدم الإدلاء
بالمعلومات لوسائل الإعلام طالما هو مستمر في وظيفته التي انتدب إليها، الآن وبعد
تنفيذ حکم الإعدام بالدکتاتور منذ مدة طويلة، سمح له باطلاق بعض تلک المعلومات في
کتاب أصدره مؤخراً حمل عنوان "مراقبة الإرهاب.. محاولة يائسة للهجوم التالي".
وصل جورج أل بيرو، الذي يجيد العربية إجادة تامّة، بغداد في الأسبوع الأول من العام
2004، لمهمة محددة وواضحة ومحاطة بالسرّية والخصوصية، تتلخص بالتحقيق مع صدام حسين
من دون أن يشعره بأنه يحقق معه، ومحاولة کسب ثقته وبناء نوع من العلاقة معه من أجل
إشعاره بالطمأنينة والأمان لاستخلاص المعلومات المهمة منه بطريقة غير مباشرة، لقد
کانت مهمة معقدة للغاية ومحفوفة بالمخاطر، يقول بيرو، وکونک تعرف معلومات مهمة لا
يعرفها أحد غيرک هو شعور يبعث على الرهبة بحد ذاته، ولم تکن لدى بيرو في الحقيقة
أدنى فکرة عن صدام حسين، أو في ما إذا کان سيرحب به أم سيرفض التعاون معه، ناهيک عن
حمله على الحديث عن امتلاکه لأسلحة الدمار الشامل، أو دوافعه لغزو الکويت ودفن أکثر
من 300 ألف عراقي من مواطنيه في مقابر جماعية، لکن في النهاية تمکن بيرو، على ما
يبدو، من تطوير نوعاً من الثقة مع صدام حسين.
ويعتقد بيرو إن العراقيين لم يعودوا يخضعون للتعذيب عن طريق وضع المناخس
الکهربائية على أعضائهم الجنسية، أو رميهم في الحمامات الحمضية ولم تعد لديهم ثقوب
في جماجمهم مصنوعة بماکنات التثقيب، أو تقطع ألسنتهم وآذانهم، ولم يعودوا يجبرون
على مشاهدة زوجاتهم واخواتهم وهن يتعرضن للاغتصاب الجماعي، لکنهم مازالوا يقتلون
بمعدل 300 إلى 400 شهرياً بسبب الإرهاب، وهو ما يعادل ربع معدل جرائم القتل في
الولايات المتحدة، وبقدر تعلق الأمر بالأمن القومي الأميرکي فقد تم استخلاص
المعلومات السرّية من صدام حسين في الأشهر الستة الأولى من اعتقالة على يد جورج
بيرو، کما يعترف الأخير في کتابه، وقد اعترف الديکتاتور له بأنه لم يکن يملک أية
أسلحة للدمار الشامل عندما کان في السلطة، وإن کان يخطط لتطوير نوع من القدرات
النووية في غضون عام واحد، لقد أسرّ صدام لبيرو بسبب ادعائه بامتلاک أسلحة الدمار
الشامل على الرغم من أنه لا يمتلکها، "لقد کنت أخوض حرب استنزاف طاحنة مع إيران"
يقول صدام حسين لبيرو، ويضيف، لقد کانت إيران تشکل تهديداً دائماً لي، وإذا کان
الإيرانيون يعتقدون بأنني أمتلک أسلحة دمار شامل فأنهم سيترددون ألف مرّة قبل
مهاجمتي مرة أخرى.
لقد
کان صدام حسين، يقول بيرو، يدرک بأن الإيرانيين لن يصدقوا أدعائه بامتلاک أسلحة
دمار شامل، لکن عندما يقول الأميرکيون ذلک ويجهدون أنفسهم في البحث عنه فأنهم
سيصدقون ذلک من دون أدنى شک، ولهذا السبب فقط کان صدام يتظاهر بخلق مشکلة مع
المفتشين الدوليين وطردهم وأحياناً التلويح بايقاف تعاونه معهم، وهذا کله من أجل
تسويق فکرة امتلاکه لتلک الأسلحة وتمريرها على الإيرانيين.
لقد کان صدام حسين يعتقد بأن الحصار الذي کان مفروضاً على العراق سيرفع في غضون
عام واحد أو نحو ذلک، لهذا کان يخطط للبدء بمشروع تطوير قدرات نووية متصاعدة عن
طريق بذل المال للعلماء العراقيين ومحاولة شراء بعض التکنولوجيا اللازمة من
الباکستانيين، لکن بالنسبة له کان الهدف الأقرب والواقعي هو رفع العقوبات الدولية
المفروضة على نظامه، ويقول بيرو بهذا الصدد "من المرجح أنها قد رفعت لولا أحداث 11
سبتمبر"، فقد کان صدام حسين على الطريق الصحيح لرفع العقوبات، وخطته کانت تعمل
آنذاک، وثمة استعداد لرفعها قد بدأ يتبلور في الأمم المتحدة، لقد اعترف صدام حسين
لي، يقول بيرو، بأنه أخطأ في حساب الآثار طويلة الأجل لأحداث 11 سبتمبر کما انه
أخطأ في تقدير ردود أفعال الرئيس بوش.
لقد أدرک الأميرکان قبل شهور من الغزو بأن الحرب کانت "لا مفر منها"، يقول بيرو،
لکن کتکتيک للتأخير أعلن في أيلول/ سبتمبر من العام 2002 انه سيسمح بعودة مفتشي
الأسلحة إلى العراق لاستئناف مهمتهم، لکن المهمة هذه المرّة ستشمل ثمانية مجمعات
رئاسية کانت محظورة على لجان التفتيش من أجل الإمعان في إذلال صدام حسين الذي أعترف
لبيرو بأنه کان يتطلع لأقامة علاقات نظيفة وصادقة مع الولايات المتحدة، وأنه سيفعل
کل ما من شأنه طمأنتهم بأنه لا يمتلک أسلحة دمار شامل لکن بالسرّ کي لا يستغل
الإيرانيون ضعفه، وعندما سأله بيرو عن ردّ الأميرکيين قال "لم يعطوني الجواب على
ذلک"، ويعتقد بيرو أن الأميرکيين قد شعروا بضعفه نتيجة لذلک، وبدل مناقشة طلبه أعطي
فرصة لمغادرة العراق مع ولديه والذهاب للعيش في المملکة العربية السعودية وسيکون
غنياً جداً وسعيداً جداً وفي مأمن هناک إذا ابتعد عن السياسة، واعترف صدام بان
السعوديين قدموا له ذلک الخيار بواسطة أحد امراء الخليج، "ولماذا لم يقبل وقتها
بمثل هذا المقترح" يسأل بيرو فيجيب صدام حسين "ليس ذلک من شيمتي، فقد عرف عني
الشجاعة وروح المقاومة، على الرغم من أنني في الواقع کنت أبالغ بتقديم نفسي وأحاول
أن أخدع خصومي بأنني قوي جداً وأحيانأ کثيرة أشعر بلحظات ضعف رهيب"، ومن المفارقات،
ونظراً للمشاعر المعادية للولايات المتحدة في الداخل والخارج على غزو العراق، کان
صدام معجباً جداً بالأميرکيين وشجاعتهم على وجه الخصوص، کما أبدى عن أعجابه ببيرو
نفسه ووصفه بالرجل الطيب، وفي هذا الخصوص يقول بيرو غالباً ما تجري مقارنة صدام
حسين بأدولف هتلر وارتکاب مجازر القتل الجماعي، لقد توفرت لصدام بعض السمات
والقدرات التي سمحت له بالوصول إلى السلطة ومن ثم وضعته في موقف المدافع الخائف على
مکانته والمجبر على تبديد أعدائه، "لقد کان هناک الکثير قبله، ولسوء الحظ، سيکون
هناک الکثير بعده في جميع أنحاء العالم" |